جعفر البرمكي مع بائع الفول
سعيد بن سالم الباهلي مع الفضل وجعفر
قال سعيد بن سالم الباهلي: اشتد بي الحال في مرض هارون الرشيد واجتمع عليَّ ديونٌ كثيرةٌ أثقلت ظهري وعجزت عن قضائها، وضاقت حيلي، وبقيت متحيرًا لا أدري ما أصنع حيث عسر عليَّ أداؤها عسرًا عظيمًا، واحتاطت ببابي أرباب الديون، وتزاحم عليّ المطالبون ولازمني الوفاء، فضاقت حيلي وازدادت فكرتي، فلما رأيت الأمور متعسرة، والأحوال متغيرة، قصدت عبد الله بن مالك الخزاعي والتمست منه أن يمدني برأيه، ويرشدني إلى باب الفرج بحسن تدبيره، فقال عبد الله بن مالك الخزاعي: لا يقدر أحد على خلاصك من محنتك وهمك وضيقك وغمك إلا البرامكة، فقلت: ومن يقدر على احتمال تكبرهم ويصبر على تجبرهم؟ فقال: تحمَّل ذلك لأجل إصلاح حالك، فنهضت من عنده ومضيت إلى الفضل وجعفر ولدي يحيى بن خالد وقصصت عليهما قصتي وأبديت لهما حالتي، فقالا: أسعدك الله بعونه وأغناك عن خلقه بمنه، وأجزل لك عظيم خيره، وقام لك بالكفاية دون غيره، إنه على ما يشاء قدير وبعباده لطيف خبير.
فانصرفت من عندهما ورجعت إلى عبد الله بن مالك ضيق الصدر متحير الفكر منكسر القلب وأعدت ما قالاه، فقال: ينبغي أن تقيم اليوم عندنا لننظر ما يقدره الله تعالى، فجلست عنده ساعة وإذا بغلامي قد أقبل وقال: يا سيدي إن ببابنا بغالًا كثيرةً بأحمالها ومعها رجل يقول: أنا وكيل الفضل بن يحيى وجعفر بن يحيى، فقال عبد الله بن مالك: أرجو أن يكون الفرج قد أقبل عليك، فقم وانظر ما الشأن، فنهضت من عنده وأسرعت عدوًا إلى بيتي، فرأيت رجلًا معه رقعة مكتوبٌ فيها: إنك لما كنت عندنا وسمعنا كلامك توجهنا بعد خروجك إلى الخليفة وعرفناه أنه أفضى بك الحال إلى ذل السؤال، فأمرنا أن نحمل إليك من بيت المال ألف درهم، فقلنا له: هذه الدراهم يصرفها إلى غرمائه ويؤدي بها دينه، ومن أين يقيم وجه نفقاته؟ فأمر لك بثلاثمائة ألف درهم أخرى، وقد حمل إليك كل واحد منا من خالص ماله ألف ألف درهم فصارت الجملة ثلاثة آلاف ألف وثلاثمائة ألف درهم تصلح بها أحوالك وأمورك، فانظر إلى هذا الكرم العظيم.
الكتاب المزور
كان بين يحيى بن خالد وبين عبد الله بن مالك الخزاعي عداوة في السر ما كانا يظهرانها، وسبب العداوة بينهما أن أمير المؤمنين هارون الرشيد كان يحب عبد الله بن مالك محبةً عظيمةً، بحيث إن يحيى بن خالد وأولاده كانوا يقولون: إن عبد الله يسحر أمير المؤمنين حتى مضى على ذلك زمان طويل والحقد في قلوبهما، فاتفق أن الرشيد قلد ولاية أرمينية لعبد الله بن مالك الخزاعي وسيره إليها، فلما استقر في يختها قصده رجل من أهل العراق كان فيه فضل وأدب وذكاء وفطنة، إلا أنه ضاق ما بيده وفني ماله واضمحل حاله فزور كتابًا على يحيى بن خالد إلى عبد الله بن مالك وسافر إليه في أرمينية.
فلما وصل إلى بابه سلم الكتاب إلى بعض حجابه، فأخذ الحاجب الكتاب وسلمه إلى عبد الله بن مالك الخزاعي، ففتحه وقرأه وتدبره فعلم أنه مزور، فأمر بإحضار الرجل فلما تمثل بين يديهِ دعا له وأثنى عليه وعلى أهل مجلسه، فقال له عبد الله بن مالك: ما حملك مع بُعد المشقة على مجيئك إليَّ بكتاب مزور، ولكن طب نفسًا، فإننا لا نخيب سعيك، فقال الرجل: أطال الله بقاء مولانا الوزير إن كان ثقل عليك وصولي فلا تحتج في منعي بحجة، فإن أرض الله واسعة، والرازق حي، والكتاب الذي أوصلته إليك من يحيى بن خالد صحيح غير مزور، فقال عبد الله: أنا أكتب كتابًا لوكيلي ببغداد وآمره فيه أن يسأل عن حال هذا الكتاب الذي أتيتني به فإن كان ذلك حقًّا صحيحًا غير مزور قلدتك إمارة بعض بلادي وأعطيتك مائتي ألف درهم مع الخيل والنجب الجليلة، وإن كان الكتاب مزورًا أمرت بأن تضرب مائتي خشبة وأن تحلق لحيتك، ثم أمر عبد الله أن يُحمل إلى حجرة وأن يجعل له فيها ما يحتاج إليه حتى يحقق أمره، ثم كتب كتابًا إلى وكيله ببغداد مضمونه: إنه قد وصل إليَّ رجل ومعه كتاب يزعم أنه من يحيى بن خالد وأنا أسيءُ الظن بهذا الكتاب، فيجب أن لا تهمل هذا الأمر بل تمضي بنفسك وتتحقق أمر هذا الكتاب وتسرع إليَّ برد الجواد لأجل أن نعلم صدقه من كذبه.
فلما وصل إليه الكتاب ببغداد ركب من ساعته ومضى إلى دار يحيى بن خالد، فوجده جالسًا مع ندمائه وخواصه، فسلم عليه وسلم إليه الكتاب، فقرأه يحيى بن خالد ثم قال للوكيل: عد إليَّ من الغد حتى أكتب لك الجواب، ثم التفت إلى ندمائه بعد انصراف الوكيل وقال: ما جزاء من تحمل عني كتابًا مزورًا وذهب به إلى عدوِّي، فقال كل واحد من ندمائه مقالًا، وجعل كل واحد منهم يذكر نوعًا من العذاب، فقال لهم يحيى: قد أخطأتم فيما ذكرتم، وهذا الذي أشرتم به من دناءة الهمم وخستها، وكلكم تعرفون منزلة عبد الله من أمير المؤمنين، وتعلمون ما بيني وبينه من الغضب والعداوة، وقد سبب الله تعالى هذا الرجل وجعله واسطة في الصلح بيننا ووفقه لذلك وقيضه ليخمد نار الحقد من قلوبنا وهي تتزايد من مدة عشرين سنة، وتصلح واسطته شئوننا، وقد وجب عليَّ أن أفي لهذا الرجل بتحقيق ظنونه وإصلاح شئونه وأكتب له كتابًا إلى عبد الله بن مالك الخزاعي مضمونه: إنه يزيد في إكرامه ويستمر على إعزازه واحترامه، فلما سمع الندماء ذلك دعوا له بالخيرات وتعجبوا من كرمه ووفور مروَّتِهِ.
ثم إنه طلب الورقة والدواة وكتب إلى عبد الله كتابًا بخط يده مضمونه:
بسم الله الرحمن الرحيم،
وصل كتابك أطال الله بقاك وسررت بسلامتك وابتهجت باستقامتك وشمول سعادتك، وكان ظنك أن ذلك الرجل الحر زوَّر عني كتابًا ولم يحمل مني خطابًا، وليس الأمر كذلك، فإن الكتاب أنا كتبته وليس بمزور ورجائي من إكرامك وإحسانك وحسن شيمتك أن تفي لذلك الرجل الحر الكريم بأمله وأمنيته وترى له حق حرمته وتوصله إلى غرضه، وأن تخصه منك بغامر الإحسان ووافر الامتنان، ومهما فعلته فأنا المقصود به والشاكر عليه، ثم عنون الكتاب وختمه وسلمه إلى الوكيل، فأنفذه الوكيل إلى عبد الله، فحين قرأه ابتهج بما حواه وأحضر ذلك الرجل وقال له: أي الأمرين اللَّذَين وعدتك بهما أحب إليك لأحضره لك بين يديك، فقال الرجل: العطاء أحَّبُ إليَّ من كل شيء، فأمر له بمائتي ألف درهم وعشرة أفراس عربية خمسة منها بالجلال الحرير وخمسة بمروج المواكب المحلاة، وبعشرين تختًا من الثياب وعشرة من المماليك ركاب خيل، وما يليق بذلك من الجواهر الثمينة، ثم خلع عليه وأحسن إليه ووجهه إلى بغداد في هيئة عظيمة.
فلما وصل إلى بغداد قصد دار يحيى بن خالد قبل أن يصل إلى أهله وطلب الإذن في الدخول عليه، فدخل الحاجب إلى يحيى وقال له: يا مولاي إن ببابنا رجلًا ظاهر الحشمة جميل الخلقة حسن الحال كثير الغلمان يريد الدخول عليك، فأذن له بالدخول، فلما دخل عليه قبَّل الأرض بين يديه، فقال له يحيى: من أنت، فقال له الرجل: أيها السيد أنا الذي كنت ميتًا من جور الزمان فأحييتني من رمس النوائب وبعثتني إلى جنة المطالب، أنا الذي زوَّرت كتابًا عنك وأوصلته إلى عبد الله بن مالك الخزاعي، فقال له يحيى: ما الذي فعل معك، وأي شيء أعطاك؟ فقال: أعطاني من يدك وجميل طويتك وشمول نعمك وعموم كرمك وعلو همتك وواسع فضلك حتى أغناني وخولني وهداني، وقد حملت جميع عطيته ومواهبه، وها هي ببابك والأمر إليك والحكم في يدك، فقال له يحيى: إن صنيعك معي أجمل من صنيعي معك، ولك عليَّ المنة العظيمة واليد البيضاء الجميمة، حيث بدلت العداوة التي كانت بيني وبين ذلك الرجل المحتشم بالصداقة والمودة، فها أنا أهب لك من المال مثل ما وهب لك عبد الله بن مالك، ثم أمر له من المال والخيل والتخوت بمثل ما أعطاه عبد الله، فعادت لذلك الرجل نعمته كما كانت بمروءة هذين الكريمين.
شاعر البرامكة وأبو نواس
حدث ابن مناذر قال: حج الرشيد بعد إيقاعه بالبرامكة وحج معه الفضل بن الربيع وكان مضيفًا مملقًا، فهيأت فيه قولًا أجدت تنميقه وحسنت فيه، فدخلت إليه في يوم التروية، وإذا هو يسأل عني ويطلبني، فبادرني الفضل بن الربيع قبل أن أتكلم فقال: يا أمير المؤمنين هذا شاعر البرامكة ومادحهم، وقد كان البشر ظهر لي في وجهه لما دخلت، فتنكر وعبس في وجهي، فقال الفضل: مره يا أمير المؤمنين أن ينشدك قوله فيهم «أتانا بنو الأملاك من آل برمك».
فقال لي: أنشد، فأبيت، فتوعدني وأكرهني، فأنشدته:
ثم أتبعت ذلك بأن قلت: كانوا أولياءك يا أمير المؤمنين أيام مدحتهم، وفي طاعتك لم يلحقهم سخطك ولم تحلل بهم نقمتك، ولم أكن في ذلك مبتدعًا ولا خلا أحد من نظرائي من مدحهم، وكانوا قومًا قد أظلني فضلهم وأغناني رفدهم فأثنيت بما أولوا، فقال يا غلام الطم وجهه، فلطمت والله حتى سدرت وأظلم ما كان بيني وبين أهل المجلس، ثم قال اسحبوه على وجهه.
ثم قال: والله لأحرمنك ولا تركت أحدًا يعطيك شيئًا في هذا العام، فسُحبت حتى خرجت وانصرفت وأنا أسوأ الناس حالًا في نفسي ومالي وما جرى عليَّ، ولا والله ما عندي ما يقيم يومئذ قوت عيالي لعبدهم، فإذا شاب قد وقف عليَّ ثم قال: اعذر عليَّ والله يا كبيرنا بما جرى عليك، ودفع إليَّ صرة وقال: تبلغ بما في هذه، فظننتها دراهم فإذا هي ثلاثمائة دينار، فقلت له: من أنت جعلني الله فداك، قال: أنا أخوك أبو نواس فاستعن بهذه الدنانير واعذرني، فقبلتها وقلت: وصلك الله يا أخي وأحسن جزاءك.
كرم يحيى بن خالد البرمكي
استدعى هارون الرشيد رجلًا من أعوانه يقال له صالح قبل الوقت الذي تغير فيه على البرامكة، فلما حضر بين يديه قال له: يا صالح سر إلى منصور وقل له: إن لنا عندك ألف ألف درهم، والرأي قد اقتضى أنك تحمل لنا هذا المبلغ في هذه الساعة، وقد أمرتك يا صالح أنه إن لم يحصل لك ذلك المبلغ من هذه الساعة إلى قبل المغرب أن تزيل رأسه عن جسمه وتأتيني به، فقال: سمعًا وطاعةً، وسار إلى منصور وأخبره ما ذكر أمير المؤمنين، فقال منصور: قد هلكت، فوالله إن جميع متعلقاتي وما تملكه يدي إذا بيعت بأغلى قيمة لا يزيد ثمنها على مائة ألف فمن أين أقدر يا صالح على التسعمائة ألف درهم الباقية؟ فقال له صالح: دبر لك حيلة تتخلص بها عاجلًا وإلا هلكت، فإني لا أقدر أتمهل عليك لحظة بعد المدة التي عينها لي الخليفة، ولا أقدر أن أخل بشيء مما أمرني به أمير المؤمنين، فأسرع بحيلة تتخلص بها قبل أن تنصرم الأوقات، فقال منصور: أسألك من فضلك أن تحملني إلى بيتي لأودع أولادي وأهلي وأوصي أقاربي، قال صالح: فمضيت إلى بيته فجعل يودع أهله وارتفع الضجيج في منزله وعلا البكاء والصياح والاستغاثة بالله تعالى، فقال صالح: قد خطر ببالي أن الله يجعل لك الفرج على يد البرامكة فاذهب بنا إلى دار يحيى بن خالد.
فلما ذهب إلى يحيى بن خالد أخبره بحاله، فاغتم لذلك وأطرق إلى الأرض ساعة، ثم رفع رأسه واستدعى خازن داره وقال له: كم في خزينتنا من المال، فقال له مقدار خمسة آلاف درهم، فأمر بإحضارها، ثم أرسل رسولًا إلى ولده الفضل برسالة مضمونها: إنه قد عُرض علي للبيع ضياع جليلة لا تخرب أبدًا فأرسل لنا شيئًا من الدراهم، فأرسل إليه ألف ألف درهم، ثم أرسل إنسانا آخر إلى ولده جعفر برسالة مضمونها: إنه قد حصل لنا شغل مهم ونحتاج فيه إلى شيء من الدراهم فأنفذ له جعفر في الحال ألف ألف درهم، ولم يزل يحيى يرسل أناسًا إلى البرامكة حتى جمع منهم لمنصور مالًا كثيرًا، وصالح ومنصور لا يعلمان بهذا الأمر، فقال منصور ليحيى: يا مولاي قد تمسكت بذيلك وما أعرف هذا المال إلا منك كما هو عادة كرمك فتمم لي بقية ديني واجعلني عتيقك، فأطرق يحيى وبكى وقال: يا غلام، إن أمير المؤمنين قد كان وهب لجاريتنا دنانير جوهرة عظيمة القيمة، فاذهب إليها وقل لها ترسل لنا هذه الجوهرة، فمضى الغلام وأتى بها إليه، فقال: يا صالح أنا ابتعت هذه الجوهرة لأمير المؤمنين من التجار بمائتي ألف دينار، ووهبها أمير المؤمنين لجاريتنا دنانير العوادة، وإذا رآها معك عرفها وأكرمك وحقن دمك من أجلنا إكرامًا لنا وقد تم الآن مالك يا منصور، قال صالح: فحملت المال والجوهرة إلى المنصور معي، فبينما نحن في الطريق إذ سمعته يتمثل بهذا البيت:
فعجبت من سوء طبعه وردائته وفساده، وخبث أصله وميلاده، ورددت عليه وقلت له: ما على وجه الأرض خير من البرامكة ولا أخبث ولا أشر منك، فإنهم اشتروك من الموت وأنقذوك من الهلاك، ومنُّوا عليك بالفكاك ولم تشكرهم ولم تحمدهم ولم تفعل فعل الأحرار، بل قابلت إحسانهم بهذا المقال.
ثم مضيت إلى الرشيد وقصصت عليه القصة وأخبرته بجميع ما جرى، فتعجب الرشيد من كرم يحيى وسخائه ومروءته، وخساسة منصور وردائته، وأمر أن تُرد الجوهرة إلى يحيى بن خالد، وقال: كل شيء قد وهبناه لا يجوز أن نعود فيه، وعاد صالح إلى يحيى بن خالد وذكر له قصة منصور وسوء فعله، فقال يحيى: يا صالح إذا كان الإنسان مقلًا ضيق الصدر مشغول الفكر فمهما صدر منه لا يؤاخذ به لأنه ليس ناشئًا عن قلبه، وصار يتطلب العذر لمنصور … فبكى صالح وقال: لا يجري الفلك الدائر بإبراز رجل إلى الوجود مثلك، فوا أسفاه كيف يتوارى من له خلق مثل خلقك وكرم مثل كرمك تحت التراب، وأنشد هذين البيتين:
جعفر البرمكي مع بائع الفول
حُكِي أن جعفرًا البرمكي لما صلبه هارون الرشيد أمر بصلب كل من نعاه أو رثاه، فكف الناس عن ذلك، فاتفق أن أعرابيًا كان ببادية بعيدة وفي كل سنة يأتى بقصيدة إلى جعفر البرمكي فيعطيه ألف دينار جائزة على تلك القصيدة فيأخذها وينصرف ويستمر ينفق منها على عياله إلى آخر العام، فجاء الأعرابي بالقصيدة على عادته، فلما جاء وجد جعفرًا مصلوبًا، فجاء إلى المحل الذي هو مصلوب فيه وأناخ راحلته وبكى بكاءً شديدًا وحزن حزنًا عظيمًا وأنشد القصيدة ونام، فرأى جعفرًا البرمكي في المنام يقول له: إنك قد أتعبت نفسك وجئتنا فوجدتنا على ما رأيت، ولكن توجه إلى البصرة واسأل عن رجل اسمه كذا وكذا من تجار البصرة وقل له: إن جعفرًا البرمكي يقرئك السلام ويقول لك: أعطني ألف دينار بأمارة الفولة، فلما انتبه الأعرابي من نومه توجه إلى البصرة فسأل عن ذلك التاجر واجتمع به، وبلغه ما قاله جعفر في المنام، فبكى التاجر بكاءً شديدًا حتى كاد يفارق الدنيا، ثم إنه أكرم الأعرابي وأجلسه عنده وأحسن مثواه ومكث عنده ثلاثة أيام مكرمًا، ولما أراد الانصراف أعطاه ألفًا وخمسمائة دينار وقال له: الألف هي المأمور لك بها والخمسمائة إكرام مني إليك ولك في كل سنة ألف دينار، وعندما حان انصراف الأعرابي قال للتاجر: بالله عليك أن تخبرني بخبر الفولة حتى أعرف أصلها، فقال له: إني كنت في ابتداء الأمر فقير الحال أطوف بالفول الحارّ في شوارع بغداد وأبيعه حيلة على المعاش، فخرجت في يوم بارد ماطر وليس على بدني ما يقيني من البرد فتارة أرتعد من شدة البرد وتارة أقع في ماء المطر، وأنا في حالة كريهة تقشعر منها الجلود، وكان جعفر في ذلك اليوم جالسًا في قصر مشرف على الشارع وعنده خواصه، فوقع نظره عليَّ فرَقَّ لحالي وأرسل إليَّ بعض أتباعه فأخذني إليه وأدخلني عليه، فلما رآني قال لي: بع ما معك من الفول على طائفتي، فأخذت أكيله بمكيال كان معي، فكل من أخذ كيلة فول يملأها ذهبًا حتى فرغ جميع ما معي ولم يبقَ في القفة شيء، ثم جمعت الذهب الذي حصل لي على بعضه، فقال لي: هل بقي معك شيءٌ من الفول، قلت: لا أدري، ثم فتشت القفة فلم أجد فيها سوى فولة واحدة فأخذها مني جعفر وفلقها نصفين، فأخذ نصفها وأعطى النصف الثاني إحدى نسائه وقال: بكم تشترين نصف هذه الفولة؟ قالت: بقدر هذا الذهب مرتين، فصرت متحيرًا في أمري وقلت في نفسي: هذا محال، فبينما أنا متعجب وإذ بالمرأة أمرت بعض جواريها فأحضرت ذهبًا قدر الذهب المجتمع مرتين، فقال جعفر: وأنا أشتري النصف الذي أخذته بقدر الجميع مرتين، ثم قال جعفر: خذ ثمن فولك، وأمر بعض خدامه فجمع المال كله ووضعه في قفتين فأخذته وانصرفت، ثم جئت إلى البصرة، واتجرت بما معي من المال فوسع الله عليَّ ولله الحمد والمنة، فإذا أعطيتك في كل سنة ألف دينار من بعض إحسان جعفر ما ضرني شيء، فانظر مكارم أخلاق جعفر والثناء عليه حيًّا وميتًا.

